حظيت القدس باهتمام الرحالة والزائرين المشارقة والمغاربة على حد سواء، وهذا الاهتمام بالقدس بدأ في وقت مبكر بالنسبة للمشرقيين للقرب الجغرافي من القدس، وما أن قويت الصلة الحضارية بين البلاد الإسلامية، وازدهرت العلوم الدينية وخاصة علم الحديث؛ حتى بدأت الرحلات العلمية إلي مراكز العلم في الدولة الإسلامية وعلى رأسها مدينة القدس، التي كانت تعد من أهم تلك المراكز على الإطلاق.
وقد استقبلت أفواجا من العلماء وطلبة العلم من الشرق والغرب، وسنستعرض في هذا المقال اثنين من علماء المغرب والأندلس (الغرب الإسلامي) ممن زاروا مدينة القدس في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر من التاريخ الميلادي، ويعدان أول علماء الغرب الإسلامي الذين يقوموا بالرحلة إلي القدس طلبا للعلم وتحقيقا للرغبة الملحة لديهم في زيارة أولى القبلتين ومسرى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان من عادتهم قبل أداء فريضة الحج زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه ومن ثم يقصدوا قضاء الشعيرة الخامسة من شعائر الإسلام.
أما عن الشخصية العلمية الأولى التي نقصدها، فهي: شخصية الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد القرشي الفهري الأندلسي المالكي المعروف بالطرطوشي، نسبة إلى مدينة طرطوشة بالأندلس.
وقد ابتدأ الطرطوشي رحلته إلى المشرق سنة 476هـ/ 1083م، ودخل بغداد والبصرة، ثم سكن الشام مدة، ودرس بها. وله من المؤلفات كتاب "سراج الملوك"، وكتاب "بر الوالدين"، وكتاب "الفتن"، وغير ذلك.
وهكذا كان هذا العالم مزودا بثقافة علمية واسعة عشية وصوله إلى القدس في حدود ما بين سنتي 484هـ/ 1091م، و 485هـ/ 1092م، أي في أثناء حكم الأراتقة – نسبة للحاكم السلجوقي أرتق بن أكسك- للقدس، لاسيما إيلغازي وسقمان، ابني أرتق. وقد عاش الطرطوشي في هذه المدينة المقدسة لعدة سنوات أخرى.
ومن المحتمل أنه غادرها بعد استيلاء الفاطميين عليها، قبيل وقوعها تحت الاحتلال الصليبي، لأنه نجا من المذبحة التي أعقبت احتلالها سنة 492هـ/1099م. ودليل ذلك أن كتاب التراجم ذكروا وفاته بمدينة الإسكندرية، سنة 520هـ/ 1126م.
ولعب الطرطوشي دورا بارزا في الحياة العلمية في مدينة القدس، وكان له تلاميذ يتلقون العلم عنه، ويجتمعون حوله في أماكن متعددة في المدينة، منها موضع يُقال له (الغوير)، يقع بين باب الأسباط ومحراب زكريا في ساحة المسجد الأقصى المبارك، حيث كان العلماء يتناظرون فيه، كما كان يجلس للعلم أيضاً في موضع آخر يقال له (السكينة).
وحتى نستكمل الحديث عن الطرطوشي ودوره العلمي في القدس فلا بد لنا من الحديث عن الشخصية العلمية الثانية، وهو ابن العربي، الذي زار القدس قبيل الاحتلال الصليبي، والتقى مع نظيره من أهل الغرب الإسلامي.
وقد وصف لنا ابن العربي هذا اللقاء الحميمي، ولهفته في البحث عن الشيخ الطرطوشي، والأخذ من علمه، بقوله: "مشيت إلى شيخنا أبي بكر الفهري رحمة الله عليه، وكان ملتزماً من المسجد الأقصى بموضع يقال له الغوير، فلم نلقه بها، واقتصصنا أثره إلى موضع يقال له السكينة، فألفيناه بها، فشاهدت هديه، وسمعت كلامه."
وشجَّع وجود الطرطوشي ابن العربي على البقاء في القدس لمدة أطول مما كان قرره لإقامته فيها، وقد انفتح له على يدي الطرطوشي أعظم أمل في المعرفة والثقافة، فالتزم هذا الشيخ ومجالسه، لاسيما بقبة باب السلسلة، حيث يقول ابن العربي في ذلك: "وانفتح لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت ببيت المقدس مباءة والتزمت فيه القراءة، لا أقبل على دنيا، ولا أُكلم أنسياً، نواصل الليل بالنهار، خصوصاً بقبة باب السلسلة".
ونلمس من النص السابق أن ابن العربي كان جاداً كل الجد، صادقاً في طلبه للعلم، الذي كان هدفه الأول في رحلته المشرقية، وكان لجو السكينة والبركة التي تتمتع بها المدينة المقدسة محفزا كبيرا لطلبة العلم على الدراسة والإقبال على طلب العلم.
أما عن مدى التأثير الثقافي الذي تركته مدينة القدس في ذهنية هذا العالم الأندلسي، والتفاعل الذي ولدته زيارته لهذه المدينة المقدسة، فإننا نلاحظ انبهار ابن العربي من الجو العلمي الذي كان يغلف أجواء المدينة.
ويبدو ذلك واضحاً من قوله: "... فدخلنا الأرض المقدسة، وبلغنا المسجد الأقصى، فلاح لي بدر المعرفة، فاستنرت به أزيد من ثلاثة أعوام"، وقد برز هذا التعلق الشديد جليا في موقفه من والده، وتخليه عن رفقته حينما أراد الذهاب إلى الحج، مفضلاً البقاء في القدس لطلب العلم، وذلك بقوله له: "إذا كانت لك نية في الحج، فامض لعزمك، فإني لست برائم عن هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها، وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلماً إلى مراقيها."
ويعود الفضل إلى ابن العربي في إشارته إلى المدرسة الحنفية، التي تدعى بمدرسة أبي عقبة الواقعة بإزاء قمامة –كنيسة القيامة-، والتي لم نسمع بوجودها من مصدر آخر، فقد ذكرها في ثلاثة من كتبه، وأشار إلى المناظرات، التي كانت تجري فيها، وهو بذلك يوثق لأقدم المعاهد العلمية التي كانت موجودة في القدس قبل احتلال الصليبيين لها وتدميرهم لتلك المراكز العلمية المهمة، والتي عاود اليهود إلى السير على نفس النهج التدميري العنصري لمعالم القدس الدينية ومراكزها العلمية والحضارية التي تؤكد على عروبتها وإسلاميتها.
وهكذا يتبين من كلام ابن العربي أن القدس كانت مركزاً لنشاط المدارس الإسلامية المختلفة، وملتقى المتناظرين المسلمين وغير المسلمين، فقد ذكر أنه حضر مناظرات لعلماء من ملل مختلفة، كما أشار إلى وجود ثمان وعشرين حلقة لطلب العلم في المسجد الأقصى، وإلى وجود عدد كبير من العلماء الوافدين على المدينة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
كما أشار إلى أنواع مختلفة من العلوم الشائعة في فترة زيارته للقدس هي: علم الكلام، وأصول الفقه، ومسائل الخلاف، حيث يشير إلى اطلاعه عليها هناك، كما يذكر أيضاً أنه اطلع على كتاب المدونة بالطريقة القيروانية، التي تقوم على التمثيل، والطريقة العراقية التي تقوم على الاستنباط واستخراج العلل، وبيّن أن دراسة المدونة، وهي الأصل الثاني للفقه المالكي بعد موطأ مالك، في مدينة القدس، كانت تقوم على الجمع بين هاتين الطريقتين، واهتم ابن العربي بدراسة كتب الحديث في القدس، وساهم بنقلها إلى المغرب والأندلس.
ويتبين مما سبق أن ابن العربي قضى نحو ثلاث سنوات في القدس، رافق فيها الشيخ الطرطوشي في حلقاته العلمية، وزار مدارس القدس، ومعاهدها، ومشايخها، وأخذ العلم عنهم، ومن المرجح أن هذه السنوات الثلاث، هي التي تقع بين سنتي 486 و 489هـ، لأنه غادر في السنة الأخيرة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. وبعد ذلك رجع مرة ثانية إلى بغداد، ثم غادر إلى مصر، ومنها إلى الأندلس.
لقد انشغل كل من الشيخ الطرطوشي، وابن العربي في القدس بطلب العلم والمعرفة، النهل من العطاء الحضاري المتميز لهذه المدينة المقدسة، غير آبهين بالأحداث والتقلبات السياسية التي كانت تعصف بالبلاد الإسلامية آنذاك فيما يشبه الحالة المزرية التي عليها بلاد المسلمين اليوم، وكانت مدة وجودهما في هذه المدينة تقع ضمن سيطرة الأراتقة على القدس الذين دخلوا في صراع سيادي على المدينة مع الشيعة العبيديين (ينسبون أنفسهم زورا وبهتانا إلي السيدة فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وسلم) الذين نجحوا في احتلال المدينة، وبعد وقت قصير جدا تمكن الصليبيون من احتلال القدس، والقضاء على الصرح العلمي الشامخ الذي كان ينعم بظلاله علماء المسلمين من الشرق والغرب.
وها هي القدس اليوم تعيش أسوأ مراحل تاريخها الزاهر بالعلم والمعرفة تحت نير احتلال ظالم يعمل جاهدا على تهويدها وشطب كل ما يمت بصلة إلى عروبتها وإسلاميتها، فماذا نحن فاعلون؟.